أبي حيان الأندلسي

59

البحر المحيط في التفسير

مصيبته ، فأحدث استرجاعا ، وإن تقادم عهدها ، كتب اللّه له من الأجر مثله يوم أصيب » . وحديث أم سلمة مشهور ، حيث أخلفها اللّه عن أبي سلمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن جبير : ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطيت هذه الأمة ، ولو أعطيها أحد قبلها لأعطيها يعقوب . ألا ترى كيف قال حين فقد يوسف ؟ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ « 1 » ! . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ : إخبار من اللّه عنهم بالهداية ، ومن أخبر اللّه عنه بالهداية فلن يضل أبدا . وهذه جملة ثابتة تدل على الاعتناء بأمر المخبر عنه ، إذ كل وصف له يبرز في جملة مستقلة . وبدئ بالجملة الأولى لأنها أهم في حصول الثواب المترتب على الوصف الذي قبله ، وأخرت هذه لأنها تنزلت مما قبلها منزلة العلة ، لأن ذلك القول المترتب عليه ذلك الجزاء الجزيل لا يصدر إلا عمن سبقت هدايته . وأكد بقوله : هم . وبالألف واللام ، كأن الهداية انحصرت فيهم وباسم الفاعل ، ليدل على الثبوت ، لأن الهداية ليست من الأفعال المتجددة وقتا بعد وقت فيخبر عنها بالفعل ، بل هي وصف ثابت . وقيل : المهتدون في استحقاق الثواب وإجزال الأجر . وقيل : إلى تسهيل المصاب وتخفيف الحزن . وقيل : إلى الاسترجاع . وقيل : إلى الحق والصواب ، وهذه التقييدات لا دلالة عليها في اللفظ ، فالأولى الحمل على الهداية التي هي الإيمان ، ونظير هاتين الجملتين قوله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * « 2 » . والكلام في إعراب : هم المهتدون ، كالكلام على : المفلحون ، وقد تقدم . وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج صلى اللّه عليه وسلم شطر المسجد ، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة ، حيث كان النسخ صعبا على النفوس ، حيث ألفوا أمرا ، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره ، وخصوصا عند من لا يرى النسخ . فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس ، لأن ذلك ، إذا كان بأمر منه تعالى ، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر اللّه ، لأن أمر اللّه ثانيا ، كأمره أولا . وهو قد أمر أولا باستقبال بيت المقدس ، وأمر آخرا باستقبال الكعبة . فلا فرق بين الأمرين ، ولا حجة لمن خالف . واستثنى من الناس من ظلم ، لأنه لا تنقطع حججه ، وإن كانت باطلة ، ولا تشغيباته وتمويهاته ، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به ، ثم أمرهم تعالى بخشيته ، ونهاهم عن خشية الناس ، لأنهم إذا خشوا اللّه تعالى امتثلوا

--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 84 . ( 2 ) سورة لقمان : 31 / 5 . وسورة البقرة : 2 / 5 .